News

هل النهي عن الافتراق يمنع تعدد الاجتهادات واختلاف الآراء؟


تواردت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على النهي عن الافتراق في الدين، وذم التنازع والتشرذم والتقاطع والتدابر، وحثت المؤمنين على الاجتماع والاعتصام بحبل الله جميعا، والإعلاء من شأن الأخوة الإيمانية التي بها تتآلف قلوبهم، والقيام بما أوجبه الله عليهم من تكاليف وفروض كفائية، وفي مقدمتها إقامة الدين ونصرة شرائعه.

تلك جميعها مطالب شرعية، لها أهميتها ومكانتها وقيمتها في الشريعة الإسلامية، وهي مما ينبغي للمؤمنين أن يحرصوا عليها، ويرعوها حق رعايتها، لكن لا يلزم من ذلك كله توظيف تلك النصوص الواردة في النهي عن الافتراق، والذامة له، والمحذرة منه، لتكون ذريعة لمنع تعدد الاجتهادات، واختلاف الآراء والرؤى، ما يترتب عليه فرض منهجية أحادية النظر، ضيقة الرؤية، تسعى لإلزام جميع أبناء الأمة برؤيتها تلك. 

ووفقا لباحثين فإن إشاعة تلك المنهجية، برؤيتها الأحادية، المحتكرة للحق، والتي لا تقبل من مخالفيها إلا موافقتها على ما هي عليه، وإلا كانوا من أهل الضلال والابتداع، ليست بعيدة عن التوظيف السياسي من قبل الأنظمة السلطوية، التي عادة ما تجيد استثمار تلك الورقة في قمع المعارضات الدينية تحت تلك العناوين الملتبسة، وهو ما يفضي إلى اغتيال حرية الرأي، ومصادرة حق الاختلاف خوفا من الفرقة والفتنة. 

في هذا الإطار رأى الكاتب والباحث الإسلامي الجزائري، رابحي لخضر أن “توظيف أحاديث النهي عن الفرقة لمنع التعددية واختلاف الرحمة منهج عقيم، استغله الاستبداد منهجا، ليفرغ كل قيم الإسلام من محتواها، فالشورى الفعلية معطلة بحجة طاعة ولي الأمر، والعدل مؤجل إلى يوم القيامة، وحرية الرأي والاختلاف ممنوعة بحجة الفرقة”. 

وأضاف في منشور عبر صفحته على فيسبوك، اطلعت عليه “عربي21”: “وحرية الرأي والاختلاف ممنوعة بحجة الفرقة، وما يزال الاستبداد وعقلية التفرد لا تبقي من الإسلام إلا عناوين براقة من غير فاعلية، تفوق الغرب علينا أن حول القيم إلى إجراءات قانونية دقيقة، تمنع فعلا التفرد والاستحواذ والأثرة إن بالمنصب أو المال”. 

 

                           رابحي لخضر.. كاتب وباحث جزائري

وتابع: “أما نحن حكومات وهيئات وأحزاب وتنظيمات فنفس الذهنية ونفس العقلية، ننشيء كيانات، ونضع قوانين ونحدد صلاحيات، لكن كل شيء في خدمة التفرد وعقلية القبيلة، من أجل التغيير في دائرة الاستمرارية، وضعوا خطا بالبنط العريض تحت العبارة الأخيرة وتأملوها، فلا فرق بين الحكومات والتنظيمات، عقلية واحدة فأنّى يكون التغيير؟”. 

الاستناد إلى النصوص الواردة في النهي عن الافتراق، والمحذرة من الفرقة، وتوظيفها لمنع تعددية الاجتهادات، والتحذير من اختلاف الآراء والرؤى، يثير تساؤلات حول الفهم الشرعي القويم للنصوص الواردة في النهي عن الافتراق وذمه والتحذير منه، وما مدى انعكاس ذلك على طلاقة الفكر، وحرية النظر، وتحديد المقبول والمردود من الاختلافات الدينية، وتعدد الآراء والاجتهادات العقائدية والفقهية.

في مناقشته للأسئلة المثارة، قال الباحث المغربي في العلوم الشرعية، يونس العدلاني: “لما تعددت زوايا النظر إلى النص الشرعي، اختلفت الاجتهادات، وتعددت الأنظار من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى يوم الناس هذا، بل وقع الإذن في ذلك منهم، ومن هذه الزاوية كان اختلافهم رحمة بالنسبة للأمة من بعدهم كما يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات”. 

وأضاف: “إذ لولا صنيعهم ذلك (الاختلاف في فهم النص الشرعي) لما تجرأ أحد على الخلاف فيه، ولكان على خطر عظيم، لكنهم لما اختلفوا (التعددية في النظر) فتحوا الباب لمن بعدهم رحمة بهم، وعلى ذلك مضى علماء الأمة من بعدهم، بمختلف مدارسهم وخلفياتهم”.

وتابع لـ“عربي21”: “وإذا تقرر ذلك فإن ما تصنعه بعض الطوائف المعاصرة من المسلمين من منع تعدد الأنظار والاجتهادات، ومحاولة حصر الحق في جهة واحدة تحت غطاء النصوص المانعة من التفرق بدعة معاصرة، لا منبت لها إلا الجهل وسوء الفهم لسياقات ومآلات تلك النصوص، وإسقاطها وتنزيلها في محلها رعاية لمصلحة وهمية ما”. 

 

                            يونس العدلاني.. باحث مغربي

وواصل العدلاني: “فليس المقصود من تلك النصوص النهي عن الاختلاف والتفرق بإطلاق كما تصوروا أو صور لهم، بل المراد منها، وما في معناها النهي عن التفرق والاختلاف في أصول الدين (أصول العقيدة)، أما الاختلاف في فروع الدين العملية الظنية ثبوتا ودلالة فذلك واقع لا محالة كنتيجة لتفاعل العقل والواقع مع النصوص الشرعية”. 

ولفت إلى أن “النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع هذا الواقع في أمته، فقال “تفترق أمتي..” الحديث، ومثل هذا الفهم الأحادي للنصوص الشرعية هو الذي استنزف جهود الأمة وصرفها عن دورها الحضاري والتربوي، إذ حصر الحق فيها في جانب واحد، ومصادر حرية النظر حَدَّ من تقدمها وشغلها ببيان شرعية ذلك”.

ورأى أن “من الواجب الشرعي والثقافي بناء على ذلك نشر ثقافة تعدد الأنظار وتنوعها بين صفوف الشباب، وبيان أن ذلك من الدين بل هو أكثر الدين بمباركة الصحابة والعلماء الراسخين، فإنه لو تم ذلك انعكس بشكل إيجابي على مستوى العلاقات فيما بينهم متمظهرا في ما يأتي: إيمانهم بتعدد الرأي وتقاسم الحق فيما بين أفراد الأمة، وتقبل الرأي الآخر والإيمان بامتلاكه جانبا من الحق”.

وشدد العدلاني على ضرورة “أن يوطن شباب الأمة عقولهم وقلوبهم على أن الفصل في الاختلاف المذكور هو ـ حصرا ـ بيد العلماء الراسخين حتى لا نقع فيما نتج عن تصرفات تلك الطائفة من جرأة الشباب على الشريعة نصوصا وعلماء” على حد قوله. 

ويذكر الإمام الشاطبي أن الاختلاف وقع في صدر الأمة، لكنه لم يكن سببا للافتراق ولا للتنازع في الدين، يقول في بيان ذلك: “ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين، ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعا، لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد في الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة في ما لم يجدوا فيه نصا”. 

وطبقا لباحثين في العلوم الشرعية فإن من الاختلاف ما يكون رحمة، على عكس الافتراق فإنه وصف مذموم في الشرع، وقد جاء النهي عنه نهيا مطلقا، كما في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وقوله (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وهو ما يوضحه العلامة ابن تيمية بقوله “والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم.

من جهته أوضح الأكاديمي والباحث السوري، المتخصص في الفقه الإٍسلامي وأصوله، الدكتور أيمن هاروش أن “الخلاف في الدين نوعان كما فصلهما ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين..) وغيره، خلاف محمود وخلاف مذموم، أما المحمود في المسائل العملية أي الفقهية من العبادات والمعاملات وغيرها، لأن معظم نصوصها ظنية وقابلة لتعدد الفهم”. 

 

               أيمن هاروش.. أكاديمي سوري متخصص في الفقه الإسلامي 

وأردف في حديثه لـ“عربي21”: “وهذا ما يعطي الشريعة مرونة في التعامل مع مستجدات النوازل وهو ما تسبب في تعدد الاجتهادات الفقهية، وظهور المذاهب والحق فيها كما يقول الأصوليون (علماء أصول الفقه): متعدد أي لا يقال عن رأي هو الحق وغيره باطل، بل الكل مأجور”.

وتابع: “أما بخصوص الخلاف المذموم فهو خلاف العقائد، والخلاف في الأمور القطعية التي انعقد عليها إجماع الصحابة، ونصوصها قطعية لا تقبل إلا فهما واحدا، والصلابة في هذه النصوص منسجم مع طبيعة الموضوع، لأن العقائد لا تتغير ولا تتأثر بالنوازل، ومتغيرات الأحداث، والحق فيها لا يقبل التعدد، فالمصيب مسلم مأجور، والمخطئ آثم بين الابتداع والكفر، ونصوص ذم التفرقة والخلاف جاءت في النوع الثاني”. 

ولفت هاروش في ختام حديثه إلى أن “هذا الفهم للنصوص والخلاف يجعل الأمة تتفهم الخلاف في الفقه، ويدفع المختلفين لإعذار بعضهم بعضا، ويصبح الخلاف ثروة ثرية ومفيدة للناس، فتقضي على التعصب المذهبي، كما أنه يجعل الخلاف في العقائد وقطعيات الدين منبوذا، ويقوي حصانة الأمة ضد تيارات البدع والكفر التي تضربها، ويقوي عقيدة الولاء والبراء، ويمنع ما نراه اليوم من دعوات مآلها تمييع الدين، وفقدان الهوية، وضعف العقيدة في النفوس”. 




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.