News

الصراع الروسي-الأمريكي حول سوريا.. قراءة في الخلفيات (1من2)


الكتاب: “الصراع الروسي الأمريكي حول الأزمة السورية”
الكاتب: د. هدى بنت محمد عبده عثمان
الناشر: شركة مدبولي، القاهرة، ط1 2019

حملت الأقدار لجيلنا أن يعيش حلم “الربيع العربي”، ويبني عليه آمال المستقبل، ثم يستيقظ على سقوط مؤلم، في تتابع، دولة بعد أخرى، ومعه انهارت أحلامنا، واحدًا بعد الآخر؛ لندرك بأن النوايا الحسنة، وحدها، لا تبني مستقبلاً، ولنكفر بالعفوية المطلقة، ونعرف قيمة أن يكون للأُسْد أنياب، وإن كانوا مسالمين.

لقد خرجنا من العقد الماضي أشتاتًا، فمنا من لم يزل يعيش “مدينته الفاضلة” في خياله، وآخر أسند رأسه على يديه، منتظرًا السماء، أن تُنهي نظم الاستبداد، وثالث أثقلته المحنة، فلم يعد يقوى على التفكير، ورابع سعى للحل، إما اجترارًا لأدوات الماضي، أو رفضًا لكل ما سبق، دون تقويم، أودراسة؛ لكن دورة التاريخ لا تتوقف، وربما في الغيب ما يمهد الطريق لعودة حلم “الربيع العربي”.

جذبني للكتاب عنوانه، أولاً، ثم الدرجة العلمية للمؤلفة، أستاذ مشارك في جامعة الملك عبد العزيز، وسبق لها أن خاضت غمار تنافس القوى العظمى على موارد، ومقدرات الوطن العربي، في كتابها “التنافس الاستعماري بين بريطانيا وإيطاليا في العالم العربي، وشرق أفريقيا 1935 ـ 1945″، رغم أنِّي ترددت في اقتنائه، لكبر حجمه، حيث احتل الكتاب نحو ستمائة صفحة من القطع الكبير، لكني حسمت أمري، حين وجدت أن المؤلفة استعانت بـ 290 مرجعًا.

الموقع الجغرافي، والتنوُّع الإثني، وتداخل البنية الاجتماعية، عوامل ميَّزت سوريا، لتكون مسرحًا لتداخل مصالح القوى الفاعلة في الساحتين، الدولية، والإقليمية، ما انعكس على مسار “الثورة السورية”، ونتائجها.

رصد الفصل الأول محددات السياسة الروسية، والأمريكية، ومواقف الدول العربية، والإقليمية تجاه الأزمة السورية؛ فحول الموقف الروسي استعرضت عثمان، في المبحث الأول، تاريخ العلاقات الثنائية للاتحاد السوفييتي، ووريثه، روسيا الاتحادية، مع سوريا؛ إذ كان الاتحاد السوفييتي من أول الدول التي اعترفت باستقلال سوريا، وأقامت معها علاقات دبلوماسية (1944)، وقدَّمت دعمًا كبيرًا، في القبول الدولي لسوريا، وسحب القوات البريطانية، والفرنسية منها؛ ثم تعزَّزت العلاقات الثنائية بين القُطرين، لتؤسِّس لـ”تعاون استراتيجي”، على المستويات، العسكرية، والسياسية، والاقتصادية؛ ومن أهمها: الاحتفاظ بالقاعدة العسكرية الروسية، في ميناء طرطوس. 

ثم عرضت الكاتبة للمحددات الإقليمية، المؤثِّرة في العلاقات الروسية ـ السورية، وهي سعي روسيا لاستعادة نفوذها المفقود، في الشرق الأوسط، بهدف: تحقيق الأمن على حدودها الجنوبية؛ والعمل على تنشيط العلاقات الاقتصادية، والتجارية بين روسيا، والدول العربية، ومحاولة التمدد في منطقة الشرق الأوسط لخلق توازن قوى دولية، أو استعادة “النظام ثنائي القطبية”؛ وقد حصرت المؤلفة أهم قطاعات التعاون في: قطاع الطاقة، والقطاع التقني، في المجالات الاقتصادية، والتنموية، والقطاع العسكري. أما المحددات الدولية، فتمثلت في: تغير توازن القوى الدولية، إلى المتغير الأمريكي، والأوروبي.

عن محددات السياسة الأمريكية، في سوريا، عرض الكتاب لتحوُّل الاستراتيجية الأمريكية من التنافس مع الكتلة الاشتراكية، أثناء “الحرب الباردة”، إلى أن تكون المحددات هي: أمن إسرائيل؛ وضمان إمدادات النفط؛ ومكافحة “الإرهاب”؛ لذا، كانت سوريا، دومًا، “عدوًا” لأمريكا، نظرًا لتحالفات سوريا الإقليمية، والدولية، وموقفها الداعم لحركات المقاومة الفلسطينية، فوُلد قانون “محاسبة سوريا”، وصُنِفت سوريا “دولة مارقة” (2003)، واتجهت العلاقات بين الدولتين إلى مزيد من التأزم، بعد مقتل رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان الأسبق (شباط/ فبراير2005)، وجعلت واشنطن تتحدث عن نزع “الشرعية الدولية” عن النظام السوري، ثم تغيرت الاستراتيجية الأمريكية، ليبدأ تقارب أمريكي ـ سوري، في عهد الرئيس أوباما، على مستوى الملفين، العراقي والفلسطيني، ثم عادت العلاقات إلى سابق عهدها، بعد الثورة السورية (2011)، نظرًا للتحالفات السورية، مع إيران وروسيا، في مواجهة الثورة.

كولن باول

حددت الكاتبة المصالح الأمريكية في: التواجد العسكري الأمريكي، في الشرق الأوسط، لـ”ضمان أمن إسرائيل؛ والحفاظ على إمدادات النفط؛ ومكافحة (الإرهاب)”، والحفاظ على العلاقات الأمريكية مع بعض الدول العربية، كمصر، والسعودية؛ والحرص على استمرار التحالف مع تركيا، والحد من النفوذ الإيراني. ثم استعرضت المؤلفة المحددات الدولية المؤثِّرة في التوجهات السياسية الأمريكية، تجاه سوريا. 

وانتهى الفصل بتقسيم الدول الإقليمية، والعربية، حسب مواقف كل منها تجاه الأزمة السورية، كدول داعمة للسياسة الروسية، وأخرى داعمة للسياسة الأمريكية، وأهمها إسرائيل؛ فعلى الرغم من أنها تعتبر النظام السوري عدوًا لها، نظرًا لأن سوريا لم توقِّع “اتفاقية سلام” مع إسرائيل، وتدعم حركات المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن تحالفها الاستراتيجي مع إيران، و”حزب الله”، فإن إسرائيل تعتبر نظام الأسد، عدوًا مريحًا، نسبيًا، حيث احترم اتفاق وقف إطلاق النار، ومنع إي أعمال مقاومة في الجولان، خلافًا لقرار نظام الأسد باعتبار “الطرق السلمية”، وحدها، هي التي ستعالج مسألة استعادة الجولان، وقد خاض نظام الأسد مسار التفاوض مع إسرائيل، في تسعينيات القرن الماضي، بوساطة أمريكية، وخلال العامين 2007- 2008، بوساطة تركية؛ ورأى الكتاب أن إسرائيل قد فضلت سيناريو “امتداد أمد الصراع في سوريا، دون حسمه لصالح أحد الأطراف”، حيث ينتج عن ذلك إضعاف لأطراف الدولة “النظام والمعارضة”، والمجتمع، فضلاً عن إنهاك الجيش السوري؛ وتأثير ذلك على حركات المقاومة الفلسطينية. 

 

إن إسرائيل تعتبر نظام الأسد، عدوًا مريحًا، نسبيًا، حيث احترم اتفاق وقف إطلاق النار، ومنع إي أعمال مقاومة في الجولان، خلافًا لقرار نظام الأسد باعتبار “الطرق السلمية”، وحدها، هي التي ستعالج مسألة استعادة الجولان، وقد خاض نظام الأسد مسار التفاوض مع إسرائيل، في تسعينيات القرن الماضي، بوساطة أمريكية،

 

وأعتقد أن إسرائيل، كما الغرب، اختارت أن يكون لها خطة تعامل مع كل سيناريو؛ ما مكَّن الإمبريالية الغربية من أن تستعيد السيطرة على الدول العربية المنتفِضة، وأن تُقلل من خطر “الربيع العربي” على مصالحها، وفي مقدمتها “أمن إسرائيل”. 

أما الموقف التركي، وهو الصديق السابق لنظام بشار الأسد، فقد بدأت تركيا تعاطيها مع الأزمة السورية، بتوجيه النصح للنظام، ودعمت جملة الإصلاحات، التي طرحها النظام، مع فتح مسارات للمعارضة السورية؛ ثم ارتفعت لهجة الانتقاد التركي للأسد، مع ارتفاع أعمال العنف ضد الشعب السوري، لكن المؤلفة توقفت في عرضها لمرحلة تاريخية مُبكرة، فلم يتضمن الكتاب التطورات الأخيرة في الموقف التركي، والحملة العسكرية التي قام بها، داخل الحدود السورية، مؤخرًا، والمواجهات العسكرية بين الجيش التركي، والقوات الروسية، وما ترتب عنها من مفاوضات، تجاوزت نظام الأسد. ولأن الباحثة لم تحدد الإطار الزمني للدراسة، فإنها لم تتابع كل التطورات، حتى تاريخ النشر.

تناول الفصل الموقف السعودي، والذي اتسم بالعداء لـ”الربيع العربي” ومخرجاته، حتى مع الأنظمة غير الصديقه له (معمر القذافي)، وقد شاركت السعودية في وأد انتفاضة البحرين، واستضافت الرئيس بن علي، بعد هربه من تونس، وشكَّلت السعودية، مع الإمارات، معول هدم “الربيع العربي”، واعتمدت استراتيجية تفخيخه من داخله، فضلا عن أن العلاقات السعودية ـ السورية، شهدت تحسنًا، فيما قبل اندلاع “الثورة السورية”، غير أن الموقف السعودي قد شهد تحوُّلاً مع تتابع الأحداث، تماشيًا مع المواقف الدولية، والإقليمية، ولعل كلمة السر في هذا التحول هي إيران، و”حزب الله”، ودعمهما المباشر للنظام السوري، وكان إشارة التحول هي خطاب الملك عبد الله، العاهل السعودي (7 آب/ أغسطس 2011)، للشعب السوري، لذا، ضمَّ بشار السعودية، إلى جانب قَطر، وتركيا، في اتهامه لها جميعًا بتمويل المعارضة السورية، آذار/ مارس 2013.

 

شاركت السعودية في وأد انتفاضة البحرين، واستضافت الرئيس بن علي، بعد هربه من تونس، وشكَّلت السعودية، مع الإمارات، معول هدم “الربيع العربي”، واعتمدت استراتيجية تفخيخه من داخله،

 

عن قَطر، وموقفها من الأزمة السورية، اتسم ببعض الارتباك، في أول الأمر، نظرًا للعلاقات الجيدة بين الدولتين، وتوافقهما في الكثير من الملفات العربية، كدعم المقاومة الفلسطينية، واللبنانية، وهو استثناء لموقف قَطر من موجات “الربيع العربي”، في كل الدول العربية، يقف بجانب موقفها من انتفاضة البحرين؛ ما دفع النظام القَطري، للتدخُّل في تغطية “قناة الجزيرة” لمشاهد “الثورة السورية”، كما دامت الاتصالات بين الدولتين، خلال الستة أشهر الأولى، حيث زار ولي العهد القَطري، آنذاك، الرئيس بشار، ثم زار أمير قَطر، إيران، لإقناعهما بالتعاطي الإيجابي مع نداءات الشعب السوري، لكن النظام السوري قرأ تغطية “قناة الجزيرة” كموقف قَطري، غير معلن، فسمح النظام السوري بمهاجمة الأسرة الحاكمة في قَطر، وترك للمتظاهرين السوريين، المؤيدين للنظام السوري، للوصول إلى مقر سفارة قَطر، في دمشق، والتهجم على البعثة الدبلوماسية القَطرية، في 18 تموز/ يوليو 2011، مبرِّرًا هذا بـ”رد فعل من شبان سوريين غاضبين، على تغطية (قناة الجزيرة)”، فقطعت قَطر علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري، واتجهت لتكون رأس الحربة العربية، لمواجهة النظام السوري، ورأت عثمان أن هذا كان في مسارات عدة: “عزل النظام السوري، الانفتاح على المعارضة السورية، وتسليحها.

أغفلت المؤلفة أن عرض موقف الفصائل الفلسطينية من الأزمة، حيث كانت أحد أهم التشابكات العربية مع الأزمة، وكان لتداعيات الأحداث أثر كبير على المقاومة الفلسطينية؛ كذلك الحال عن موقف “حزب الله” اللبناني.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.